مؤسسة القضاء في موريتانيا ... بين القبيلة والقصر الرئاسي
- التفاصيل
- نشر بتاريخ الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر -0001 00:00

انفض اجتماع المجلس الأعلى للقضاء دون تحويلات ولا تقدمات، كان الخبر الأكثر انتشارا بعد انتهاء مداولات المجلس "تعيين عنصر نسوي " في مهمة القضاء.
مجلس بقيادة الرئيس
يلتئم المجلس الأعلى للقضاء في دورة سنوية حيث يناقش أعضاؤه العشرة بقيادة رئيس الجمهورية وضعية العدالة والملفات الشخصية المتعلقة بترفيع أو تأديب القضاة.
ويضم المجلس:
رئيس الجمهورية
الوزير الأول
وزير العدل
رئيس المحكمة العليا
المدعي العام
وكيل الجمهورية
رئيس محكمة الاستئناف
ثلاثة منتخبين ممثلين عن القضاة
التبعية العمياء
وتقول مصادر السراج إن مؤسسة القضاء تعاني من أزمة تبعية خانقة تتجلى في عدة مظاهر:
1- التبعية للسلطة التنفيذية : حيث يبقى القضاة بشكل عام تحت سطوة وزير العدل الذي هو أيضا تحت سطوة الوزير الأول ورئيس الجمهورية، ويبقى المجال السياسي عاملا أساسيا من عوامل الترقية والتقريب والعقاب والإبعاد.
2- وضعية المحكمة العليا : ظلت المحكمة العليا في موريتانيا استثناء سياسيا، فبموجب نظرية التحكم في القضاء تبقى المحكمة العليا منصبا سياسيا بامتياز يمكن منحه للإداريين والاقتصاديين وحتى للمتخصصين في الأدب، خلافا للعرف القضائي العالمي الذي ينص على أن تكون رئاسة المحكمة العليا محصورة في الأسن من بين ثلاثة من أقدم مستشاري المحكمة العليا.
3- بين القضاء الجالس والواقف : تظهر أزمة التبعية القضائية أيضا في العلاقة بين القضاء الجالس (قضاء المحاكم) والقضاء الواقف (النيابة العامة) وتمثل النيابة العامة اليد الطويلة لوزارة العدل والجهاز السياسي في المؤسسة القضائية بحكم التبعية الإدارية بنص القانون لوزارة العدل.
وتقول مصادر قضائية للسراج إن النيابة العامة وملحقاتها تمثل الابن المدلل لوزارة العدل، وتسيطر على جزء كبير من المخصصات المالية للقطاع، كما تستفيد أيضا من العائد المالي الذي يحكم به القضاء الجالس من الغرامات وتكاليف المحاكمات وأتعاب القضاة وتعويضات الخبراء، إضافة إلى مخصصات التسخير التي تمثل ريعا خاصا لقضاة النيابة العامة.
أما القضاء الجالس فيتربع على قمة التهميش، وإن كان يمثل القاعدة العريضة من القضاة في موريتانيا،فبالإضافة إلى اتساع الدائرة القضائية بالنسبة لقضاة الداخل وتنقلهم المستمر بين عدة مقاطعات بفعل الإنابة القضائية، يواجهون أيضا أزمة مخصصات حيث تمنح وزارة العدل مبلغ 500 ألف أوقية لكل محكمة مقاطعة، تصلها عبر مقاول خدمات يقتطع منها حوالي 14% فيما تقتطع الخزينة العام 14%.
وتعاني المحاكم المقاطعية من وضعية سيئة جدا، حيث تؤجر منازل خصوصية تنعدم فيها في الغالب أبسط مقومات الحياة من كهرباء وماء.
ولا تفي المخصصات المالية بتكاليف المحكمة فعلى سبيل المثال سحبت محكمة تيارت في العام 2012 حوالي 38 ألف ورقة متعلقة بالحالة المدنية، وهي ما يعني تكاليف مالية تصل إلى أكثر من 300 ألف أوقية في السحب لوحده.
- لانقابية في القضاء : ولمخاوف السلطات الموريتانية من استقلال القضاء أو سيره نحو الاستقلال فإن التقاليد القضائية تمنع على القضاة الانخراط في أي تنظيم نقابي أو سياسي، إضافة إلى الحضور الاجتماعي اللافت أو حتى الظهور في الأسواق ويعلق أحد القضاة الظرفاء قائلا " يمنعون علينا النقابة والعمل السياسي والمشي في الأسواق، نحمد الله تعالى أنهم لم يمنعونا بعد من أكل الطعام.
- تحت سيطرة كتاب الضبط : تتحدث المصادر القضائية عن سيطرة قوية لكتاب الضبط على أغلب مفاصل القطاع، وإلى حين كتابة هذه الأسطر فإن أحد كتاب الضبط يتولى مصلحة تسيير القضاة، فيما يتولى زميله في المهنة مصلحة تسيير كل الأشخاص في وزارة العدل.
ومع ذلك يتحدث القضاة عن بوادر ثورة شبابية هادئة في السلك القضائي حيث تحمل الأجيال الشبابية في المؤسسة القضائية مستوى كبيرا من الكفاءة والمثالية، إضافة إلى الإيمان بمهنة القضاء وشرفها.
قبيلة تسيطر على القضاء
وإلى جانب وضعية العدالة وتبعيتها للقضاء يواجه القضاء أيضا أزمة نوعية في الكادر البشري الذي لا يزال ضئيلا جدا، رغم توسع قاعدة التقاضي وتراكم الملفات القضائية.
ويرتفع عدد القضاة في موريتانيا إلى 223 قاضيا، إضافة إلى 12 قاضيا اكتتبوا قبل أسابيع، رغم أن اكتتابهم لا يزال مجال جدل كبير، حيث استطاع عدد من كبار المسؤولين في الوزارة وكتاب الضبط النافذين الارتقاء إلى سلم القضاء.
وإضافة إلى ذلك يوجد 50 قاضيا ينتظر تخرجهم في النصف الأول من العام القادم، ليتلحقوا هم أيضا بسلك القضاء.
وإلى جانب تلك الأزمة البنيوية، يواجه القضاء أزمة اجتماعية أخرى حيث تسيطر إحدى المجموعات القبلية في موريتانيا على 48 % من نسبة القضاة في موريتانيا تليها قبيلة أخرى بنسبة مقاربة، وتتمتع القبيلتان بسيطرة شبه دائمة على المشهد القضائي منذ سنوات طويلة.
ويظهر الحيف الاجتماعي أكثر في المؤسسة القضائية التي تضم حوالي 5 قضاة من شريحة لحراطين وحوالي 8 أيضا من شرائح الزنوج المختلفة، ومن بين 13 وكيلا للجمهورية في موريتانيا لا يوجد زنجي واحد أو حرطاني وفق مصادر قضائية مختلفة.
حراس على أبواب السجون
ويقول مصدر قضائي طلب عدم ذكر اسمه إن أبرز عائق أمام دولة العدالة في موريتانيا هو تسرع القضاة والوكلاء في إصدار أحكام السجن وبطاقات الإيداع لدى المعتقلات، رغم وجود بدائل قضائية أخرى تتعلق بالغرامات وبالجزاء المدني والعمل القسري بدلا من رمي المتهم أو المدان في سجن بغيض يؤهله لدرجة أعلى من الجريمة.
ويضيف مصدر قضائي آخر " أتمنى أن يفكر القضاة كثيرا قبل إصدار الأحكام عندما يأتي مجرم صغير سرق هاتفا بقيمة 5000 أوقية، ثم نرمي به ببطاقة إيداع في سجن عتيد لننساه هنالك عدة أشهر وربما سنوات، ليخرج بعد ذلك جنازة تحمل عددا كبيرا من الأمراض والعاهات، أو لصا محترفا فإن القضاء حينها سيكون جزء من مشهد صناعة الجريمة".
ويقول مهتمون بالشأن الحقوقي إن وضعية الإحالات المتكررة نحو السجن أدت في غالب الأحيان إلى تحوله إلى "سجن أسود" بمعنى الكلمة يضم غالبية عظمى من شريحة لحراطين والزنوج وبعض الفقراء من الشريحة العربية الذين لا قدرة لهم على دفع الغرامات ولا ثقل لهم من القبيلة أو النفوذ يحميهم مغبة الزنازين القذرة.
السراج

.jpg)
